حرب الطاقة في الخليج: ضربات حقل بارس الجنوبي ورأس لفان تُعيد رسم خريطة الصراع الإقليمي

تحليل تحريري — ٢٠ مارس ٢٠٢٦

التصعيد الأخير

في تطوّر خطير يُنذر بعواقب وخيمة على أسواق الطاقة العالمية، شنّت إسرائيل يوم الأربعاء ضربة عسكرية استهدفت منشآت حقل بارس الجنوبي للغاز الطبيعي في إيران، وهو أكبر حقل غاز في العالم تتقاسمه إيران وقطر. وجاء الردّ الإيراني سريعاً وقاسياً، حيث أطلق الحرس الثوري الإيراني صواريخ باليستية على منشأة للغاز الطبيعي المُسال في مدينة رأس لفان الصناعية شمال قطر، مما أدّى إلى اندلاع ثلاثة حرائق كبيرة.

يأتي هذا التصعيد في اليوم العشرين من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير، حين قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل طهران، مما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين.

أبعاد أزمة الطاقة

يُعدّ حقل بارس الجنوبي شريان الحياة لإيران، إذ يُوفّر نحو ٨٠ بالمائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المُستخدم في التدفئة وتوليد الكهرباء. كما يُصدّر الحقل كميات من الغاز إلى العراق، حيث تعتمد بغداد على إيران في تلبية ثلث احتياجاتها من الغاز والكهرباء.

أما على الجانب القطري، فإن رأس لفان تُعدّ أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المُسال في العالم، وأي تعطّل في إنتاجها يُهدّد إمدادات الطاقة لدول عديدة في آسيا وأوروبا. وقد أعلنت شركة قطر للطاقة أن عدة منشآت أخرى تعرّضت أيضاً للقصف، مما تسبّب في حرائق كبيرة وأضرار واسعة النطاق.

ردود الفعل الإقليمية والدولية

طردت قطر عدداً من الملحقين العسكريين والدبلوماسيين الإيرانيين، معلنةً إياهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم. وفي اجتماع عُقد في الرياض، حذّر وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان من أن صبر دول الخليج ليس بلا حدود، مؤكداً أن هذه الدول تمتلك قدرات وإمكانيات كبيرة جداً يمكن استخدامها إذا لزم الأمر.

من جانبه، كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة تروث سوشال أن الولايات المتحدة ستدمّر حقل بارس الجنوبي بالكامل بقوة لم تشهدها إيران من قبل في حال هاجمت طهران قطر مجدداً.

تحليل تحريري: الشرق الأوسط على حافة الهاوية

ما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري آخر، بل هو تحوّل جذري في طبيعة الصراعات الإقليمية. لأول مرة في تاريخ المنطقة، تتحوّل البنية التحتية للطاقة — التي كانت تُعتبر خطاً أحمر لا يُمَس — إلى ساحة حرب مفتوحة.

إن استهداف حقل بارس الجنوبي ورأس لفان يكشف عن حقيقة مُقلقة: لم يعد أي طرف في المنطقة محصّناً من تداعيات هذا الصراع. فقطر التي حاولت الحفاظ على حيادها ولعب دور الوسيط، وجدت نفسها في قلب العاصفة. والعراق الذي يعتمد على الغاز الإيراني يواجه أزمة طاقة وشيكة.

الأخطر من ذلك أن هذا التصعيد يُهدّد بانهيار ما تبقّى من استقرار أسواق الطاقة العالمية. فالمنطقة التي تُنتج نحو ثلث الغاز الطبيعي المُسال في العالم باتت ساحة حرب، والرسالة واضحة: لا أحد بمنأى عن الخطر.

السؤال الأهم الآن: هل ستنجح التحذيرات الخليجية والأمريكية في ردع إيران عن مزيد من التصعيد، أم أننا نسير نحو حرب إقليمية شاملة تُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله؟ الأيام القادمة ستحمل الإجابة، لكن المؤشرات حتى الآن لا تبعث على التفاؤل.